مقالات

الرئيس وأفق الإصلاح فى ملف حقوق الإنسان – مقال أ. علاء شلبي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان

أ. علاء شلبي – محام – ورئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان

جريدة المصري اليوم

لا خلاف على حقيقة أن دولا غربية تسعى لترسيخ دورها «غير المشروع» للوصاية على الدول الأخرى وخاصة الدول النامية فيما يتعلق بتقييم وضعية حقوق الإنسان، وللأسف تلقى الدول الغربية فى سعيها هذا قدرا كبيرا من القبول أو التسليم بممارستها لهذا الدور.

وتؤكد المئات من الحوادث أن تلك الدول تعمد إلى لعب هذا الدور- الذى أعيد التأكيد على أنه غير شرعى- فى سياق مساومات ومقايضات تستهدف تلبية مصالحها الخاصة، وهى مساومات ليست بخفية، على الأقل للمهتمين بالشأن العام والعلاقات الدولية.

لكن ذلك لا يشكل دافعا لصانعى القرار الوطنى للنكوص عن واجباتهم الدستورية والأخلاقية للنهوض بحقوق الإنسان، باعتبارها مكونا جوهريا للمواطنة والاستقرار والتنمية، بل حماية الأمن القومى للبلاد بمعناه الواسع.

وفى مصر، جرت متغيرات إيجابية مهمة منذ خريف ٢٠١٧، لكنها جاءت بوتيرة بطيئة وعلى فترات متباعدة، بحيث لم يتنام الإحساس العام بها، على المستوى الوطنى أو على الصعيد الدولى.

ومن التقدمات الثورية التى لطالما تمنيناها وطالبنا بها التعزيز الكبير فى مجال المواطنة من خلال تعزيز الحريات الدينية، والمساواة وتكافؤ الفرص فى تقلد الوظائف العامة التى لطالما كانت حصرا على طبقة اجتماعية وأبناء كبار رجال الدولة.

بالإضافة إلى التطور المحرز فى مجال تمكين المرأة اقتصاديا وتنمية مشاركتها السياسية وتعزيز آليات الحماية من مختلف صور العنف. ومنها كذلك التنامى الكبير فى ردع جرائم التعذيب وسوء المعاملة، والتراجع عن قانون الجمعيات الأهلية سيئ السمعة رقم ٧٠ لسنة ٢٠١٧ وتبنى مفهوم التشاور الواسع فى وضع القانون الجديد رقم ١٤٩ لسنة ٢٠١٩.

ومنها أيضا تطوير ولاية واختصاصات كل من المجلس القومى لحقوق الإنسان والمجلس القومى للمرأة، وتبنى قانون الأشخاص ذوى الإعاقة الذى يلبى معايير اتفاقية الأمم المتحدة، بل يثريها.

كما جاء إنشاء اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزارة الخارجية وعضوية مختلف الوزارات والأجهزة التتفيذية المعنية بحقوق الإنسان قيمة مضافة فى دعم وتطوير البنية المؤسساتية لحقوق الإنسان.

وليس هناك شكوك فى إنجازات كبرى على الصعيد التنموى، وتلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بإرادة سياسية واعية تعمل بجد واجتهاد على جسر الفجوات الناجمة عن سياسات الإصلاح الاقتصادى من خلال مبادرات الحماية الاجتماعية المتتابعة.

لكن كل هذه التقدمات والمنجزات لم تلق حقها من الإدراك لأنها لم تتواز مع تقدمات مماثلة فى مجال الحريات السياسية، حيث أدى تضييق المجال العام إلى إهدار طاقات تم توظيفها لتعزيز المشاركة السياسية. فبدون حرية التعبير، أو بالأحرى، بدون حرية النقد لا يمكن تنمية المشاركة السياسية، ولا يمكن تعزيز الإيمان بمقاصد التنمية الشاملة الجارية.

وكان استخدام تهم الإرهاب المتنوعة بحق المعارضين والناقدين للسياسات العامة، والممزوجة بقرارات حظر النشر كثيفة العدد، وبأزمات الحبس الاحتياطى طويل الأمد، معاول هدم خطيرة الأثر فى تقويض الإحساس بالتقدمات والمنجزات المتحققة، ومدخلا لدول غربية لممارسة الضغوط، فضلا عن تشويه صورة البلاد ومحاصرة الجاذبية الاقتصادية التى باتت تحظى بها.

ولقد جاءت جهود اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، وخاصة فى مجال إعداد الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان عاملا قويا فى إثارة التفاؤل بمستقبل واعد، لا سيما مع قيام اللجنة بجهود تشاور موسعة مع كافة القطاعات الرسمية وغير الحكومية خلال مسار إعداد الاستراتيجية.

وجاءت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى لإطلاق الاستراتيجية فى ١١ سبتمبر ٢٠٢١ بمثابة الإعلان المنتظر عن الوعد المنشود، خاصة مع التعهدات الكبرى التى تضمنتها الاستراتيجية فى مجال الحريات العامة والسياسية وتعزيز العدالة الجنائية.

وجاء الإعلان الرئاسى بالتخلى عن الاستمرار فى العمل بحالة الطوارئ ترجمة عملية مهمة للاستراتيجية، ولقوة الإرادة السياسية فى تبنى واحترام حقوق الإنسان.

وبينما نتطلع جميعا إلى قيام المؤسسات بواجباتها الدستورية وأدوارها القانونية والسياسية، فإن الإدراك العام يدفع بالجميع فى هذه المرحلة الدقيقة إلى التطلع إلى مبادرة من الرئيس عبد الفتاح السيسى وتدخله بموجب ولايته الدستورية والأدبية لمعالجة أزمات بعينها لتفكيك التعقيدات الرئيسية، وخاصة:

– الإفراج والعفو عن المحتجزين والسجناء المحكومين فى قضايا الشأن العام الذين لم يتورطوا فى ارتكاب أعمال عنف بالمعنى المادى الملموس، وبما يشكل عاملا مساعدا فى تتفيذ تكليفات الرئيس بتعزيز المشاركة السياسية.

– دفع الجهود لتبنى التعديلات التى قدمتها الحكومة إلى مجلس النواب فى مايو ٢٠١٧ لتحديث وتطوير قانون الإجراءات الجنائية، على نحو يؤدى للتخلص من أزمات الحبس الاحتياطى، ويسمح بتطبيق الضمانات التى نص عليها دستور ٢٠١٤ فى تقوية عدالة المحاكمات.

– الإيعاز بإطلاق حريات التعبير، وحث الجهود للانتهاء من النظر فى المشاريع المتعددة لقانون المعلومات لإطلاقه فى أسرع وقت ممكن، باعتباره أساسا لا غنى عنه لمعالجة أزمة الإعلام وتأمين الشفافية، فضلا عن أهميته لإصلاح التشريعات الجنائية فى مجالات الرأى، ودوره فى مراجعة لائحة جزاءات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى